ابن تيمية

19

مجموعة الرسائل والمسائل

في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بعلي وهو يدعو فقال " يا علي عم ، فإن فضل العموم على الخصوص كفضل السماء على الأرض " وفي الحديث أنه لما نزل قوله ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) عم وخص . رواه مسلم من حديث موسى بن طلحة عن أبي هريرة ، وتوصف الصفة بالعموم كما في حديث التشهد " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض " . وأما إطلاق من أطلق أن العموم من عوارض الألفاظ فقط ، فليس كذلك إذ معاني الألفاظ القائمة بالقلب أحق بالعموم من الألفاظ . وسائر الصفات : الإرادة والحب والبغض والغضب والرضاء يعرض لها من العموم والخصوص ما يعرض للقول ، وإنما المعاني الخارجة عن الذهن هي الموجودة في الخارج ، كقولهم : مطر عام وخصب عام . هذه التي تنازع الناس : هل وصفها بالعموم حقيقة أو مجاز ؟ على قولين ( أحدهما ) مجاز لأن كل جزء من أجزاء المطر والخصب لا يقع إلا حيث يقع الآخر فليس هناك عموم ، وقيل بل حقيقة لأن المطر المطلق قد عم . وأما الخصوص فيعرض لها إذا كانت موجودة في الخارج ، فإن كل شيء له ذات وعين تختص به ويمتاز بها عن غيره ، أعني الحقيقة العينية الشخصية التي لا اشتراك فيها ، مثل : هذا الرجل وهذه الحبة وهذا الدرهم ، وما عرض لها في الخارج فإنه يعرض لها في الذهن . فإن تصور الذهنية أوسع من الحقائق الخارجية فإنها تشمل الموجود والمعدوم والممتنع والمقدرات . وأما الإطلاق فيعرض لها إذا كانت في الذهن بلا ريب فإن العقل يتصور إنساناً مطلقاً ووجوداً مطلقاً . وأما في الخارج فهل يتصور شيء مطلق ؟ هذا فيه قولان ، المطلق له وجود في الخارج فإنه جزء من المعين ، وقيل لا وجود له في الخارج ، إذ ليس في الخارج إلا معين مقيد ، والمطلق الذي يشترك فيه العدد لا يكون جزءاً من المعين الذي لا يشركه فيه .